ابن بسام
103
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الدّولة . فاستقلّ ذلك كلّه ، وآثر الفرقة ، واقتطع جانبه ، فكان أوّل الثوّار لمفارقة الجماعة ، وفرطهم في نقض الطاعة . ثم اتفقت له أمور اتسع بها عمله ، وكثرت جبايته وجمعه . وكان من البخل بالمال [ 1 ] ، والكلف بالإمساك ، والتّقتير في الإنفاق ، بمنزلة لم يكن عليها أحد من ملوك [ 2 ] عصره . لم يرغب في صنيعة ، ولا سارع إلى حسنة ، ولا جاد بمعروف ، فما أعملت إليه [ 3 ] مطيّة ، ولا حملت أحدا نحوه ناقة [ 4 ] ، ولا عرّج عليه أديب ولا شاعر ، ولا امتدحه ناظم ولا ناثر ، ولا استخرج من يده درهم في حق ولا باطل ، ولا حظي أحد منه بطائل . وكان مع ذلك سعيد الجدّ ، تنقاد إليه دنياه ، وتصحبه سعادته فينال صعاب الأمور بأهون سعيه . وهو كان فرط الملوك في إيثار [ 69 ] الفرقة ؛ فاقتدى به من بعده ، وأمّوا في الخلاف نهجه . فصار جرثومة النّفاق ، وأوّل من استنّ سنّة العصيان والشّقاق ، ومنه تفجّر ينبوع الفتن والمحن . فتبارك من أملى له ، ولم يرض له عقوبة الدّنيا مثوبة . فقد كان أصحابه حفظوا عنه كلمات في سبيل ذكر السّلف الصالح زيادة إلى مساوئه . وذلك أنّه نوظر في شأن التّأمير لبني أميّة فقال : واللّه لو نازعني سلطاني هذا الصّدّيق لقاتلته ولما سلّمت له ، فكيف أسلّم سلطاني لمن يدعى إليه من بني أمية ، ممّن لا يوجب اللّه طاعتهم ، عترة / مروان خيط باطل [ 5 ] ، الذين لم يسبق لهم صحبة ، ولا أدخلهم السّلف في شورى الإمامة ؟ . قال ابن حيّان : ومن أشهر حكاياته في ذلك ، ما أخبر عنه أبو العبّاس السّكريّ الإسكندرانيّ - رجل ممتع الحديث طيّب المجالسة - وحضر مجلس ابن حمّود بمالقة ، فسأله إسماعيل بن ذي النّون عن مجلسه معه ، فأثنى عليه ، فقال : أتثني على أدعياء ؟ فعل اللّه بهم وصنع ، فبهت الإسكندرانيّ وقال : معذرة إليك أيّدك اللّه ، فإني جهلت رأيك في هذا الرّجل مع أني ألزمت نفسي ألّا أذمّ ذا سلطان البتّة ، وأنت غير منازع في أئمتك
--> [ 1 ] انظر : الذخيرة 1 / 2 : 587 فقد تكرر بعض هذا النصّ هنالك مع اختلافات بين حذف وزيادة . [ 2 ] الذخيرة ( 1 : 587 ) : بمنزلة بذ فيها ملوك عصره . [ 3 ] الذخيرة : أعملت إلى حضرته . [ 4 ] ولا حملت . . . ناقة ، سقطت من الذخيرة ( 1 ) 587 ) . [ 5 ] في المثل : أدق من خيط باطل ، قيل : هو الهباء ، وقيل : هو الذي يخرج من فم العنكبوت ، وسمي مروان خيط باطل لطوله واضطرابه ( اللسان : خيط ، وجمهرة العسكري 1 : 454 تحقيق أبو الفضل والميداني 1 : 183 ) .